الشيخ محمد الصادقي الطهراني
9
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
عن الحق المرام حقّه في كل نظرة إلى آيات ، مستدلًا بها على مجموعة مختصرة غير محتصرة من معارفه ، ثم إذا اهتدى وأراد المزيد يزيد في تلاوته مزيداً ومزيداً : « والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم » . أجل ولكل مقالٍ مجالٌ ولكل مجالٍ مقالٌ ، لابد للمفسر أو المستفسر لآيالذكر الحكيم أن يتعرف إلى مجال كل مقال ، وإلى مقال كل مجال ، ليعرف الحال كما هي ، دون تحميل على القرآن ما يرتأيه من قالٍ ، فإنه تفسير للقرآن عن قاله ومجاله ، وليس تسفيراً لقاله بمجاله . ولقد وردت روايات مستفيضة « 1 » بحق ذلك الموت الجماعي ثم الإحياء من طريق الفريقين ، ما لا مجال لردها تفسيراً لهذه الآية ، حيث توافقها في معناها ومغزاها ، اللَّهم إلا ما تحمل جزئيات لا تحملها الآية أو لا تتحملها . هنا « خرجوا من ديارهم حذر الموت » يلمح بأن باعث الموت كان في ديارهم مثل الطاعون كما في مستفيض الأحاديث ، ورغم أن حذر الموت والفرار عنه طبيعةُ الحال لكلِّ حيٍّ ، ومأمور به لكل مكلف ، ولكن قد يستثنى واجب الفرار من الموت بما هو واجب كالجهاد ، ولذلك أصبح الفرار من الزحف حذر الموت من كبائر المعاصي . أم بما هو واقع لا ينفعه الفرار - مهما كان هنالك علاج آخر أو لم يكن - كمثل الطاعون الماكن في بعض البلاد ، فالمبتلى بالطاعون لا يفيده الفرار من بلده إذا أمكن منه الطاعون ، فليفر - إذا فر - من نفسه . وهنا « حذر الموت » قد يلمح بأنهم ابتلوا بسبب الموت ومنه الطاعون ، ثم خرجوا من ديارهم حذَر الموت بالطاعون ، فماذا يفيدهم - إذاً - الخروج من ديارهم . هذا إذا كان التنديد هنا بخروجهم ومعهم سبب الموت ، وقد يعنيه ما يروى عن
--> ( 1 ) ) . ففي الاحتجاج عن الصادق عليه السلام في حديث قال عليه السلام أحي اللَّه قوماً خرجوا من أوطانهم هاربين من الطاعون لايُحصى عددهم فأماتهم اللَّه دهراً طويلًا حتى بليت عظامهم وتقطعت أوصالهم وصاروا تراباً فبعث اللَّه في وقت أحب ان يرى خلقه نبياً يقال له حزقيل فدعاهم فاجتمعت أبدانهم ورجعت فيها أرواحهم وقاموا كهيئة يوم ماتوا لا يفتقدون في اعدادهم رجلًا فعاشوا بعد ذلك دهراً طويلًا